
وسط دهشتها سكتت قليلا ونظرت اليه وقالت : المسكينة أمها مصابة بالسرطان وهي من تهتم بها وبأسرتها، ولقد كانت مسرعة لأنها تركت والدتها وحيدة والآن هو موعد دوائها، أمها بحاجة الى عملية ووالدها غير قادر على مصاريفها، لقد غرقت الأسرة في الديون دون جدوى.
كاد قلب أحمد يتقطع ألما وعرف سر حزنها الآن لكن ذلك لم يثنه عن ملاحقتها فقال لليلى : هل يمكنك أن تساعديني؟
قالت : أنا رهن اشارتك كما عهدتني دائما.
أدخل يده في جيبه و أخرج منه ورقة نقدية كبيرة وأعطاها اياها وقال : أريدك أن تقولي لها أني أريد التعرف اليها وسأحقق لها كل ما تريد بما في ذلك عملية والدتها.
أحنت ليلى رأسها وقالت : لا أدري، انها غير اللاتي عرفتهن لكنني سأحاول.
رد عليها متفاخرا : لن ترفض، أنا متأكد من ذلك، حياة أمها بيدها الآن اذا وافقت كان لها ما تريد.
انصرفت ليلى الى حال سبيلها وعاد هو الى بيته منتظرا الغد بفارغ الصبر.
دخلت مريم البيت، وجدت والدتها تناديها بصوت خافت، جرت اليها : أنا هنا يا أمي.
ناولتها الدواء وجلست تحكي لها كيف كان الجو جميلا بالخارج، فجأة سمعتا طرقات على الباب، تساءلت الأم : ترى من يكون؟ أجابت مريم سأذهب لأرى. فتحت الباب فوجدت صديقتها ليلى عنده، دعتها للدخول وجلستا في غرفتها.
كيف حالك يا ليلى ؟ أعذريني لم أستطع أن أكلمك قبل قليل، لقد كنت أن يفوت أمي موعد الدواء.
لا تأبهي يا حبيبتي فأنا لم آتي من ذلك، لقد أتيت لأكلمك في موضوع آخر.
نظرت اليها مريم مستفسرة : قولي يا عزيزتي ماذا تريدين فكلي آذان صاغية.
أرأيت ذلك الشاب الذي كان يكلمني بالخارج؟ لقد كان يراقبك على شاطئ البحر
لا ياعزيزتي لم انتبه
يقول انه معجب بك ويود التعرف عليك
قبل أن تكمل كلامها قاطعتها مريم : يريد أن يتعرف علي ؟؟؟؟ كيف؟؟؟
نعم يريد التعرف عليك، ان اسمه أحمد وهو غني جدا، لقد حكيت له عن مرض أمك وهو مستعد لدفع مصاريف عمليتها
قاطعتها مريم مرة أخرى وقالت : مقابل ماذا؟
أجابت ليلى بصوت خافت : مقابل الخروج معك
صرخت مريم : لا... لا... لا يمكن ان افرط في شرفي وكرامتي
أجابتها ليلى : المهم سأتركك الآن فكري وسأعود اليك غدا لأسمع ردك، فحياة أمك بين يديك الآن
انصرفت ليلى تاركة مريم وسط دهشتها : ماذا أفعل ياربي ؟ يا من خلقتني؟ تساءلت في حيرة هل ستغفر لي ياربي ان فعلت ذلك حياة أمي بين يدي الآن؟ سمعت صوتا في داخلها يثنيها عن التفريط في شرفها، سمعت صوت أمها وهي تنبهها " شرفك أغلى ما تملكين اذا فرطت به فقد فرطت في كل شيء: أحلامك، دينك، احترامك لنفسك واحترام الآخرين لك، ستغرقين وجه عائلتك في التراب فلا حياة لهم بع هذا العار، وان الموت أفضل لنا من أن نسمع أنك فرطت في نفسك، انه الخنجر الذي يطعن به الآباء طوال العمر طعنات متلاحقة"
صرخت : لن أفعلها.... لن أفعلها ولأن تموت أمي مرة خير لي من لأقتلها كل يوم.
رفعت يديها الى السماء : يارب يامن خلقت السموات والأرض يا سميع ياجبار يا رحيم، يامن خلقتني وسويتني، يامن اليك الأمر أسألك أن تجعل لي مخرجا، أسألك أن تشفي والدتي، أتضرع اليك يا من خلقت آدم من تراب يا كريم يا منان انك على كل شيء قدير.
مريم...مريم
انه صوت والدتي انها تناديني
نعم يا أمي
من كان الطارق
انها صديقتي ليلى
ماذا تريد يا ابنتي عسى أن يكون خيرا؟
لا تشغلي بالك، لقد جاءت فقط لتطمأن علي
الحمد لله الحمد لله
انقضى النهار وذهبت وذهبت مريم الى فراشها محاولة النوم لكنها لم تستطع، كانت تفكر بكل ما قالته صديقتها اليوم، كان يقينها عاليا بالله انه سيجعل لها مخرجا، قالت عندما ترجع الي غدا سأقول لها أني أرفض وأن الأعمار بيد خالقها لا بيدي ولكل أجل كتاب.
لم يخالج عيناها النعاس فتحت مذياعها الصغير على اذاعتها الاسلامية المفضلة، لأول مرة تسمع هذا النشيد....
صاحت شكرا لك يا ربي لقد أعطيتني علامة الآن وخلدت الى والنوم وهي تردد كلمات هذا النشيد.
داهم أحمد النعاس ماسكا بين يديه منديل مريم، كان يحلم بيوم غد، يتخيل نفسه ماسكا يدها وهما يتمشيان على شاطئ البحر.
بدأت أشعة الشمس تتسرب من نافذة مريم الصغيرة تداعب وجهها، فتحت عيناها وقالت : انه الصباح، قامت وجرت الى غرفة والدتها تقبل يديها وتقول : اني أحتاج دعائك يا أمي.
ابتسمت الأم و قالت : اني أدعو لك يا حبيبتي، شفتاي لا تكف عن الدعاء لك يا ابنتي.
أمضت مريم صباحها كالمعتاد، بين الطهو والتنظيف والاهتمام بأمها. انها الحادية عشر والنصف سمعت طرقات على الباب فقالت : لابد انها ليلى، فتحت الباب وأدخلتها، سلمت ليلى على مريم و قالت : كيف أمضيت ليلة البارحة، أتمنى أن تكون قد أخذت قرارك؟
قالت مريم بثقة : بالطبع، الحمد لله
قالت ليلى : و ماذا قررت؟
قررت أن أرفض طلبك وطلبه والأعمار بيد الله
قالت ليلى : أتمنى أن تكوني قد اخترت القرار الصائب؟... و خرجت غاضبة
لقد كان أحمد ينتظرها عند منزل قريب، رآها تخرج من عند مريم فذهب اليها ، ماذا قالت؟ سألها أحمد
أجابت ليلى : رفضت، قالت ان الأعمار بيد الله
أحس أحمد بالدم يجري في عروقه وبدوار خفيف في رأسه، لقد كانت صدمته هذه المرة أقوى من الأولى، لم تجرؤ فتاة أن تقول له يوما لا.
انصرفت ليلة تاركة اياه وسط ذهوله واحباطه
أخذ يكلم نفسه : يبدو أنها غير الأخريات، لم أقابل فتاة بهذا الصفاء والنقاء و بهذه الثقة العالية في النفس، لا بد أنها ملاك طاهر هبط من السماء لينير طريقي الى أن الدنيا ايثار، حب ويقين في الله، الدنيا رحمة بين العباد، الدنيا لحظة.... لكن لابد من محاولة اخيرة لكي أعرف هل هاته هي الفتاة التي يجب أن أتغير لأجلها أم لا؟
ظل واقفا عند بابها ساعات.
أخذت مريم علبة الدواء لتناوله لوالدتها، يا الهي لم تبقى الا واحدة، يجب أن أخرج لأحضره لها قبل أن تقفل الصيدلية.
خرجت من المنزل الى الصيدلية القريبة، رآها وتبعها، بعد أن اشترت الدواء و خرجت وجدته في انتظارها، اعترض طريقها وقال : السلام عليكم
ردت وعليكم السلام ورحمة الله تعالى و بركاته
قال : هل يمكنك ان أن تمنحيني دقيقة من وقتك؟
أجابت دون أن ترفع عينيها : يا أخي أهذه هي أخلاق المسلم؟ أن تعترض طريق فتاة وحيدة؟ أين انت من أخلاق الرسول والصحابة رضوان الله عليهم؟ أهذا ما علمك الاسلام؟ ألم تسمع عن المرأة التي قامت حرب من أجلها؟ هل تحب أن يعترض أحد طريق أمك أو أختك؟ قالت كل هذا وانصرفت غاضبة.
هذه المرة لم يغضب أحمد فقد كان هذا بمثابة اختبار أخير لها وقال : يجب أن أتغير لأجلها، يجب أن أعود الى ربي، يجب أن أفعل شيئا يسعدها دون أن يؤذيها، يجب أن أحترم الآخرين فماهم بسلعة تباع أو تشترى، سامحني يارب.... سامحني ودمعت عيناه في خشوع.
وتمر الأيام
أصبح أحمد مواضبا على الصلاة والصيام ومساعدة الفقراء والمحتاجين وابتعد عن أصدقاء السوء، لقد أصبح مواضبا على الصلاة وتلاوة القرآن ومساعدة الفقراء والمحتاجين وابتعد عن أصدقاء السوء، لقد أصبح الآن يحس بسعادة لا توصف بعد أن عاد الى الله، لكنه لم ينسى مريم كان كل يوم يمسك منديلها ويدعو الله أن يجمعه بها في الحلال ان شاء الله.
بحثث مريم عن منديلها كثيرا، يا ترى أين ضاع مني؟ لزمت البيت ولم تعد تذهب الى البحرلكي لا يعترض طريقها أحد الطامعين فيها، كانت تكتفي بالنظر عليه من الشرفة وتتمنى أن تشفى والدتها لكي يذهبوا اليه جميعا. نسيت أمر أحمد أو بالأحرى لم تعر الأمر اهتماما.
ذات يوم سمعت جرس الباب ذهبت و فتحته، لم تجد أحدا، وجدت صندوقا صغيرا أبيض اللون مكتوب عليه : الى مريم، فتحته فوجدت ورقة، فتحتها انه حجز لأمها في أحسن المستشفيات لأجراء العملية شاملة مصاريف العلاج والأدوية، بالاضافة الى مبلغ من المال رسالة صغيرة مكتوبا فيها : لكل الناس حظ في الحياة ... نرجو أن يكون حظ أمك أوفرا..."فاعل خير"
صاحت أمي ..أمي..أبي ، لقد جاء الفرج... لقد جاء الفرج ودخلت على والدتها تبشرها. لأول مرة بعد مرض أمها تجتمع الأسرة على شيء مفرح، أرتهم الصندوق وماذا يحتويه فقالوا كلهم بصوت واحد : الحمد لله الحمد لله وصلوا جميعا ركعتين شكرا لله.
دخلت والدة مريم غرفة العمليات بعد أن أجروا لها التحاليل اللازمة، لقد كان خوف عائلتها عليها كبيرا، كانوا يدعون الله أن يعافيها ولا يحرمهم منها، كانت كل دقيقة تمر عليهم كأنها ساعات.
نظرت مريم الى ساعتها وقالت : يا الهي ، لقد مرت ثمان ساعات ولم تخرج أمي من غرفة العمليات. بعد وقت قصير خرج اليهم الطبيب فجروا اليه ، سأله والدها : هل نجحت العملية يا دكتور؟
فأجابه أن العملية كانت ناجحة لكنهم لن يستطيعوا رؤيتها الآن لأنها لازالت تحت تأثير الخدر وتحتاج الى قسط من الراحة ولا جدوى من المكوث في المستشفى خلال الأربع وعشرين ساعة التالية.
عادوا الى منزلهم وكلهم أمل أن يجدوها بخير في اليوم التالي.....
مكثث والدة مريم حوالي شهر في المستشفى الى أن شفيت تماما وأخذوها الى المنزل ونظموا احتفالا صغيرا جمع العائلة والأصدقاء فرح بعودتها. سمعوا طرقات على الباب، فتح أخو مريم الأصغر الباب فلم يجد أحدا ووجد صندوقا أمام الباب مكتوبا عليه : الى مريم، أخذه اليها فوجدت به رسالة تقول: حمدا لله على سلامة والدتك. أتمنى أن تنال اعجابكم هذه الهدية البسيطة، كانت الهدية عبارة عن مصحف مكتوب بحروف ذهبية، فرحوا به كثيرا لكن كان سؤالهم ترى من يبعث كل هذا؟ سؤال ظل بلا جواب
بعد أن عاد المنزل كما كان يملأه الفرح والحب، طلبت مريم من أمها أن يخرجوا الى البحر كما كانوا يفعلون فوافقت الأم، جهزوا امتعتهم وخرجوا جميعا.
جلسوا على الشاطئ يتسامرون ويضحكون، لقد عادت تلك الأيام الحلوة ثانية.
كان أحمد في المقهى القريبة من هناك فلمحهم وذهب اليهم
السلام عليكم قال أحمد
اجابه والد مريم : وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
قال أحمد : هل يمكنني أن أشارككم المكان ؟ اذا كان هذا ليس تطفلا مني؟