
و عـــاد للحـــــيــاة ......
نهض فزعا مرتجف الاوصال خائفا, جبين يتصبب عرقا, و قلب تتسارع دقاته رعبا, جسم منه ك من كثرة السهر و دميعات تسللت على استحياء من عينين المثقلتين. .
بعد لحيظات من محاولة الرجوع للنفس , اكتشف انه كان تحت تاثير كابوس مزعج ,قض مضجعه, و سرق نومه, مد يده الى المنضدة الخشبية جانب السرير, اخذ قنينةالماء , روى عطشه , ثم استلقى من جديد مستعدا لاكمال سباته.
لكن, و ما ان وضع راسه على الوسادة, حتى تسلل صوت بلبلي لغرفته المعتمة, صوت حنون مبهج, سحره الصوت فنهض دون ادنى وعي , فتح نافذته الصغيرة بهدوء لكي لا يقطع نغمات ذاك الصوت الملائكي الغريب , و الذي لم يذكر انه سمع مثله قبلا .
ما ان فتح النافذة حتى صدم وجهه التعب هواء منعش صاف ,
فبدا الصوت يزيد ارتفاعا ووضوحا, الغرفة تزداد ضياء ونورا , و قلبه يزيد رقة ولهفة و خشوعا, و هو الذي لم يعرف الخشوع و الرقة منذ سنين .
بعدقليل بدات عيناه تترقرقان بلئالئ من الدمع تنساب ممتالية منتظمة هادئة هدوء الصوت نفسه, و كانها تشدو على انغامه العذبة, لتغسل فؤادا اثقلته المعاصي و الهموم, قلبا جوعه صاحبه لسنوات و حبسه في غياهب العذاب .
اضفى ذاك الصوت الشجي لمسته السحرية على مهجته, فبدات تنهل من قبس النور الذي اجتاح الغرفة, ووقف الرجل الطويل القامة ذو الملامح الشابة المتعبة , وقف في نقطة تحوله يذرف الدموع في تلك الليلة القمراء, و كلما زاد الصوت وضوحا كلما تسارعت ذرره تهاطلا.
فجاة سقط الجسم الضخم خارا ساجدا, و تحول بكاءه الخافت ذاك الى نحيب و صراخ, و كلمات مبهمة لا تجد معنى لسامعها.
سجدو سجد, ثم سجد فسجد, سجد بحرارة الشوق و اللهفة التي تلهب نفسه , وكانه يقاوم تلك القوة الجامحة الشيطانية التي حرمته من السجود كل هذه السنين ,ومنعته من ذرف الدموع كل هذه المدة.
ثم سكت, سرى في الغرفة صمت مهيب لا يقطعه الا ذاك الصوت البديع,و الذي ارسل عبر اثير امواج الشوق نغماته العذبة.
قل لعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
وما ان انتهى ترياق الحياة ذاك, حتى فقد الشاب الساجد اخر قواه من النحيب والعويل, و سقط مغشيا لينهض بعد سويعات انسانا اخر, جسما اخر, كيانا اخر,عقلا اخر, قلبا اخر.
قرر قلب الصفحات و اقفال الماضي للابد.....